عبد الغني المقدسي
34
حديث الإفك ويليه من مناقب النساء الصحابيات ( نوادر الرسائل 9 - 10 )
فقال سعد بن معاذ الأنصاريّ ثم الأشهليّ من الأوس : إن كان ذلك في أحد من الأوس كفيناكه ، وإن كان من الخزرج أمرتنا فيه بأمرك . فقام سعد بن عبادة الأنصاريّ ثم الخزرجيّ ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت واللّه ، وهذا الباطل . فقام أسيد بن حضير الأنصاريّ ثم الأشهليّ ورجال من الفريقين فاستبّوا وتنازعوا ، حتى كاد أن يعظم الأمر بينهم ؛ فدخل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم بيتي ، وبعث إلى أبويّ فأتياه ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال لي : « يا عائشة ، إنّما أنت من بنات آدم ، وإن كنت أخطأت فتوبي إلى اللّه واستغفريه » . فقلت لأبي : أجب عنّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال لي أبي : لا أفعل ، هو نبيّ اللّه ، والوحي يأتيه . فقلت لأمّي : أجيبي عنّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقالت لي كما قال أبي . فقلت : واللّه لئن أقررت على نفسي بباطل لتصدّقنّني ، ولئن برّأت نفسي - واللّه يعلم أنّي بريئة - لتكذّبنّني ، وما أجد لي ولكم مثلا إلّا قول أبي يوسف حين يقول : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ « 1 » ونسيت اسم يعقوب لما بي من الحزن والبكاء واحتراق الخوف ؛ فتغشّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما كان يتغشّاه من الوحي ، ثم سرّي عنه ؛ فمسح وجهه بيده ، ثم قال : « أبشري يا عائشة ، فقد أنزل اللّه براءتك » . قالت عائشة : فو اللّه ما كنت أظنّ أن ينزل القرآن في أمري ، ولكني كنت أرجو - لما يعلم اللّه من براءتي - أن يري النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم في أمري رؤيا ، فيبرّئني اللّه بها عند نبيّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال لي أبواي عند ذلك : قومي فقبّلي رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : واللّه لا أفعل ، بحمد اللّه كان ذلك لا بحمدكم . قالت : وكان أبو بكر ينفق على مسطح وأمّه . فلمّا رماني حلف أبو بكر أن لا ينفعه بشيء أبدا [ 134 ب ] . قالت : فلمّا تلا صلى اللّه عليه وسلم قول اللّه عزّ وجلّ : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » بكى أبو بكر ، فقال : بلى يا ربّ ، وعاد النّفقة على
--> ( 1 ) يوسف 12 : 18 . ( 2 ) النور 24 : 22 .